ساسي سالم الحاج
159
نقد الخطاب الاستشراقي
الشيطانية . وإنما دفعهم إلى العودة إلى مكة سببان أساسيان كما يقول محمد حسين هيكل : أولهما : إسلام عمر بن الخطاب بعد هجرتهم بقليل الذي أخذ يقاتل قريشا علنا حتى أجبرها على قبول صلاته وصلاة المسلمين عند الكعبة . وقد خشيت قريش من اندلاع حرب أهلية خاصة عندما أسلم من قبائلها وبيوتاتها رجال تثور لقتل أي واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه . فهادنت المسلمين ولم تنل أحدا منهم بأذى . وقد وصل هذا الخبر إلى المهاجرين بالحبشة ، ودعاهم إلى التفكير في العودة إلى مكة . وثانيهما : نشوب ثورة على النجاشي في الحبشة الذي كان يتعاطف معهم ، ومنع استردادهم إلى قريش . فخاف المسلمون المهاجرون من نتيجة هذه الثورة ، وفضّلوا العودة إلى بلادهم تفاديا للفتنة ، وقد شجّعهم على ذلك ما ترامى إليهم من أنباء الهدنة بين الرسول وقريش « 1 » . ثم إن هذه القصة مناقضة للآيات القرآنية الصريحة التي تنفي تقوّل الإنس أو الجن على اللّه كقوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ « 2 » ، وقوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى « 3 » ، وقوله قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ « 4 » . يضاف إلى ذلك أن هناك اعتبارات أدبية تناقض قصة الآيات الشيطانية كتلك التي يسوقها القاضي عياض بقوله : « ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا ، وذلك أن الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام ، ومتناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذمّ ، متخاذل التأليف والنظم ، ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ، ممن لا يخفى عليه ذلك . وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام » « 5 » . ومن الاعتبارات الأدبية التي ينقد بها متن هذه القصة ما ساقه الإمام « محمد عبده
--> ( 1 ) محمد حسين هيكل ، حياة محمد ، المرجع السابق ، ص 163 بتصرف من عندها . ( 2 ) سورة الحاقة ، الآيات من 44 - 46 . ( 3 ) سورة النجم ، الآية : 3 . ( 4 ) سورة يونس ، الآية : 15 . ( 5 ) القاضي عياض ، الشفاء ، المذكور في كتاب النويري ، المرجع السابق ، ص 235 - وما بعدها .